
ولدتني أمي في فجر خريفي يتساقط فيه كل شيء
فسقطت في حجر العالم
أخذني والدي مبسملا في أذني:
كل الحياة لابنتي البكر
و عدنا جميعا لمنزل صغير تضمه مدرسة ريفية في جنوب هادىء
كبرت هناك ..
تعرفت عن العالم من شباك المطبخ المطل على ساحة المدرسة
وابتسامات أمي الحالمة.
أمي علّمتني أشياء كثيرة و لكن كان يجب أن أنتظر ستة سنوات كاملة لأعرف لون جلدي مصادفة حين صرخت ابنة جيراننا الجدد » سوداء سوداء «
كانت أوّل خطواتي في المدينة وأوّل خطوات لي بعيدا عن القرية وأوّل الاكتشافات العظيمة في حياتي .
أنا فاطمة الزهراء … قريتي تحضن خمسين عائلة معظمهم أقربائي- أو خيّلت لي قرابة مؤكدة معهم – ومدرسة واحدة يرفرف فوقها علم البلاد الذي لولاه لما كان لنا أيّ ارتباط بما يحدث بعيدا عنا بأربعة كيلومترات أو خمسة.
هناك نتشارك اللّون نفسه والأحلام الكبيرة على إختلافها وحبّ الأرض وأملا معلّقا في خيوط كفّ اليد المبسوطة فوق كفوف الجدّات يكشفن عن الحياة والمستقبل.
أمدّ كفّي للخالة » زويدة » فتقول بثقة وحزم كبيران ستكبرين بعيدا عن هنا وسيكون صوتك صوتنا جميعا.
تخلق هذه الجملة سعادة عارمة على وجه أمّي وتضيف: « بلا شكّ، إن درست و حلمت بالمدن الكبرى ستصلينها.. فكّري بعيدا عن العطش و الحرّ و كم تحتاج قصصنا لما يروي جفافها.
فكانت حواراتنا معا في المطبخ، وهي تظفر شعري ظفائر كثيرة، وهي تعدّ معي الدّروس تشبه النقاشات الكبيرة في حزب ثوري والاختلاف الوحيد أنّ أميّ جعلتني أؤمن بالثورة قبل الرفاق.
تمسّكنا ببعضنا جيّدا منذ البداية وتمسّكت بها أكثر حين عدت إلى البيت متسائلة عن ملاحظة بنت الجيران: ما الذي أثارها في لوني وهل للون الأسود مرادفات أخرى لأنّها ذكرت أوصاف عديدة لم أسمعها قبل اليوم …. هل أنّي فعلا مختلفة عنها -وأشهد أني في تلك السنّ لا أحمل تعريفا عن الإختلاف غير أنّ شعوري بالأمان في القرية بدا لي مختلفا عن شعور الغربة الذي سكن قلبي منذ أشارت » خولة » بإصبعها نحوي في حركة سريعة وفي وصم محقّق منه فهمته وفكّكته بعد سنوات.
كانت هذه اللحظة فاصلة في حياتي وربّما اتخذت المرحلة الموالية عنوان: الجهد المضاعف.
هذا ما استخلصته من إجابة أمي وهي تمسك بيدي وتحدّق بعيني بصرامة لم أشهدها منها من قبل.
تحدثت عن علاقة لوننا بالعبودية في زمن ما وعن ضرورة المقاومة والعمل الجاد لتغيير هذه السردية: كانت كلماتها بسيطة جدا وثقيلة في الآن نفسه على طفلة تبلغ من العمر ستة سنوات لا غير.
لم تكن تعرف تفاصيلا كبيرة عن حركات التحرّر من العبودية و مناضليها و مناضلاتها و لم يحضر في حديثها شيء عن المصطلحات و التعريفات و لكنّ الأمر الذي لا شكّ فيه في حديثها أننا ولدنا أحرارا و علينا الدفاع عن هذه الحرية في مجتمع مازال يجتر فانتازمات المالك و المملوك.
فكوّنت خطابها دون مرجعيّات فلم تكن تعرف بيل هوكس أو كمبرلي كرينشو وهما تؤكدان أنّ من أهم شروط البقاء المقاومة الدائمة.
و لذلك ظّلت هذه الجملة لأودري لورد تذكّرني بتلك اللحظة كلّما أقحمتني العائلة في منافسة ما : التفوّق في الدراسة ، العناية الفائقة بلبس المدرسة ، الأعداد ، طريقة الأكل و المشي و الحكي و منع التذمّر و البكاء :
»كُنَّا دائمًا نُجبر على أن نكون أقوى من أي شخصٍ حولنا، ليس لأننا أردنا ذلك، بل لأن البقاء تطلب منّا ذلك. »
عملت جاهدة في القسم و كنت المؤدبة في الحي و البيت و تفوّقت في دراستي و أشرفت على إذاعة المدرسة فلقّبت بالمذيعة السمراء ثم بميدعة ورديّة تغطّي نصف جسدي الصغير و حقيبة أثقل منّي احتججت على معاملة معلّمي الفضّة » عبد الناصر » كان يطلب من سهام زميلتنا بالقسم الغناء بعد أن تتبوّل في سروالها فلقبّوني بالمحامية السمراء و .. هكذا أصبح هذا اللون يلتصق بي شيئا فشيئا.
كان الأمر مزعجا وجالبا للفخر في آن بطريقة يصعب عليّ شرحها إلى هذه اللحظة، ولكنّي أعرف جيّدا أنّي قرّرت بشكل وبآخر أن أحتجّ.
ولأنّ الكتابة » مسيرة إحتجاج » رفعت النصّ لافتة أحملها في الشارع والبيت والسرير والمطبخ، في المطارات والمقاهي ومراكز الأمن ومراكز التفتيش الحدودية، في المناسبات العائلية و المعهد و الجامعة؛ على طاولة الفطور وعند الحلاّقة و في الجامع و التنظيم و في كل العلاقات.. حتى في الحب.
كان حضوري كأقليّة في الفضاءات التي أتواجد فيها متعبا في البداية مثلا في بداية السنة الدراسية أحصي عدد السود في المعهد وكذلك في الجامعة وهو عدد يتقلّص كلّما تقدّمنا في السنوات.. في الاجتماعات والتحرّكات أفعل نفس الشيء وأشعر بالإحباط كلّما كان عددنا قليلا أو كنت وحدي إلى أن كسرت هذا اللبس عصى البوليس ذات تحرّك على بعد أمتار من مقرّ ولاية صفاقس.. أدّبني أحدهم وأبرحني ضاربا صارخا: منذ متى أصبح العبيد يقودون التحرّكات.
كانت لحظة فارقة … وأصبح تمثيل بني جلدتي فرض لا اختيار وإن كنت وحدي.
بل أصبحت أعتبر وجودي بهذه الفضاءات واجبا سياسيا لا بدّ منه خاصّة بعد الاطلاع على كتابات كرينشو و تحاليلها لتقاطعات براديغمات الهيمنة التي يمكن أن تعيشها إمرأة سوداء مقتنعة في كل مرّة و أنّنا قادرات على تفكيكها و إسقاطها و أنّها تحمل سبل مقاومتها كلّما زاد القهر.
كنت أحمل همّ جلدي .. و كشيوعيّة أحمل همّ شعبي و كجنوبيّة أحمل همّ الأرض الوعرة و بئر القرية الذي جفّ رغم أنّنا أغرقناه بالدموع و مع العائلة الكويريّة فهمت أنّ للجسد ملحا خاصا في العين و الروح .
و بهذا فهمت جملة من المعاني:
المقاومة: أن تفتحي الباب كلّ يوم و أنت تبلعين مرّ الحذر و تخرجي بقامة مستقيمة مضادة للخوف و التردد .
الأمل: خولة صاحبة الإصبع السليط .. فتحت معها الحكاية و الجرح بعد عشرين سنة حين صرنا صديقات فصارت حليفة دائمة.
قصّة الأنا كيف تصبح قصّة النحن في لحظة حقيقية كأن تجتمع ثلاث من ثلاث عائلات مختلفة و من جهات و أسس و إديولوجيات مختلفة و يضعن الإصبع على نفس الجرح و يبكين هنّ اللواتي يؤسسن لمشروع ضدّ البكاء و الهزيمة.
الإحتجاج : هذا النص .
السردية: أمّي ….و نساء أخريات اخترن أن يمشين بوجه عار من الذلّ و كامل الكبرياء .
الجسد: لا شيء … إنّه إختصار لرفع الساعد عاليا لنحتجّ أو للعناق.
الألوان: لا لون يبعث عن الإلتزام أكثر من لون الدم والثورات.
النصر: المقاومة المستمرة .. شكل راديكالي لمنح الحياة معنى حقيقيا.

Laisser un commentaire