طين قاتم: الإقصاء من البداية

في البدء، لم تكن هناك كلمات، كان هناك طين. طينٌ سحيق القتامة، عَجَنَهُ القدر على عجلٍ ونسي أن يمرره على قوالب الجمال المتوارثة في قبيلتي. وُلدتُ في عالمٍ تُقاس فيه قيمة المرأة بأوقيةٍ من بياض، وشبرٍ من شعر، ورطلٍ من لحمٍ يملأ فراغات العين قبل القلب. أما أنا، فقد جئتُ إلى الدنيا كنصٍ سومريّ، كلماته غير مقروءة، وحروفه نافرة، لا يشتهي أحدٌ فك طلاسمه.

لقد كان الإقصاء قدري منذ اللحظة الأولى، ليس لكوني مختلفة، بل لكوني سوداء. في مجتمعٍ يقدّس « السمار الفاتح » كدرجة أولى من الجمال، كنتُ أقف في الدرجة الصفر. لم يكن الأمر مجرد تباين في الأذواق، بل كان نظاماً طبقياً للون. كنتُ أرى الفتيات ذوات البشرة الأفتح يتلقين الثناء على « حلاوة الملامح » و »نعومة الشعر »، بينما كان جمالي أنا، جمال الطين القاتم، يُصنّف كـ « جمال روحي » أو « جمال شخصية »، وهي عبارات مهذبة لتجاهل الجسد.

كنتُ طفلة الظل في بيتٍ يعجّ بفتياتٍ كأقمار مكتملة. كائناتٌ من نورٍ منسوج، يتهادين كأنهن يمشين على الماء، وشعورهن ستائر ليلٍ حالك، وضحكاتهن ألحانٌ سماوية. كنّ القصيدة، وكنتُ أنا الحاشية المنسية في أسفل الصفحة. لم يكن جسدي النحيل سوى غصنٍ يابس في حديقة غنّاء، وكانت أسناني البارزة شاهدة على تمردٍ خُلق معي، ترفض الانصياع لصفٍ متراصٍ من اللؤلؤ المصطنع. « لم تأخذ من حُسنهم شيئاً »، كانت تلك اللازمة التي تُعزف في كل مجلس، لحناً جنائزياً لميلادي.

لقد كانت معايير الجمال كـ « منخل » لا يسمح بمرور إلا بدرجات محددة من اللون والملمس. لم يكن يكفي أن تكوني سمراء، بل يجب أن تكوني « سمراء فاتحة » بشعر « ناعم » أو « مموج ». أما أنا، ببشرتي الداكنة وشعري الأفريقي المجعّد، فقد كنتُ خارج المنظومة تماماً. لم يكن لدي حتى فرصة للعب اللعبة، لأن قواعدها كُتبت بلونٍ لم أملكه. هذا الرفض لم يكن شخصياً، بل كان رفضاً لتاريخي، لجذوري، ولون أرضي.

لكن الروح التي سكنت هذا الطين كانت من فصيلة أخرى. روحٌ من نارٍ وجمر، لا تعرف الانحناء. في طفولتي، حين كانت السخرية سهاماً مسمومة، لم أكن أبكي في الخفاء، بل كنت أجمع تلك السهام وأصنع منها درعاً. أطلقوا عليّ « أم سنون »، فكنت أبتسم في وجوههم عمداً، أبتسامةً عريضة كجرحٍ مفتوح، أتحداهم أن ينظروا مباشرةً في عينيّ، حيث كانت تقيم شعلةٌ لا تنطفئ.

في ليلةٍ مقمرة، وقفتُ أمام المرآة، لم أرَ ضحية، بل رأيتُ محاربة في جسدٍ لم تختره. تلك الأسنان النافرة لم تكن عيباً، بل كانت حراباً صغيرة أُشهرها في وجه عالمٍ أراد ترويضي. وفي لحظة جنونٍ مقدس، قررتُ أن أطهرها بنفسي. لم يكن « ماء النار » الذي لامس فمي محاولةً يائسة للتجميل، بل كان طقس عبور، معموديةً بالنار نقشت في لحمي وعداً أبدياً: لن أكون نسخةً باهتة من أحد. الألم كان ثمناً بخساً مقابل ولادتي الحقيقية.

كبرتُ، وأنا أحمل ندوبي كأوسمة شرف. في مجالس النساء، حيث كانت الأمهات يصطدن العرائس كما يصطاد الصقر فريسته، كنتُ أجلس في الزاوية، لا كشبحٍ منسي، بل كمن يجلس على عرشٍ خفي. كنت أراقب الطقوس بصمت الساحرة العارفة. في البداية، كنت أرى النساء الأخريات كجزء من هذا النظام، حارساتٍ للسجن الذي وُلدتُ خارجه. كنت أرى في جمالهن امتيازاً، وفي خضوعهن ضعفاً.

صديقاتي امتطين « قطار النصيب » ورحلن. كنّ يلوّحن لي من النوافذ، وفي عيونهن مزيج من الفرح والشفقة. لم يدركن أنني لم أتخلف عن القطار، بل كنتُ أرفض وجهته المعلبة سلفاً. لم أكن أنتظر عريساً، بل كنت أنتظر أن أكبر بما يكفي لأحتوي نفسي، لأصبح قارتي المجهولة، وسمائي التي لا تحدها حدود.

مشهد: عرس ابنة خالي

كانت ليلة زفاف « نوال »، ابنة خالي التي تشبه تمثالاً من عاج. الهواء مشبع برائحة الخُمرة والبخور، والزغاريد تخترق طبلة الأذن. كنتُ هناك، أرتدي ثوباً بلون السماء في منتصف الليل، وأراقب المشهد من بعيد. تقدمت مني إحدى القريبات، امرأةٌ تجاعيد وجهها خرائط لدروب النميمة، وقالت بصوتٍ عالٍ كفاية ليسمعه من حولها: « عقبالك يا ابنتي… وإن كان القطار قد فاتكِ، لكن رحمة الله واسعة ».

تجمدت اللحظة. شعرتُ بالأعين تخترقني، تنتظر ردة فعلي؛ دمعة، انكسار، أو هروب. لكن النار التي في داخلي توهجت. استدرتُ نحوها ببطء، ورفعتُ رأسي، وابتسمت. تلك الابتسامة التي تدربتُ عليها طويلاً، ابتسامةٌ لا تخفي أسناني، بل تحتفي بها. نظرتُ في عينيها مباشرةً وقلت بهدوءٍ قاطع: « شكراً يا خالة. لكنني لم أعد أنتظر القطارات، لقد تعلمتُ التحليق ».

ساد صمتٌ قصير، أثقل من كل الضجيج السابق. رأيتُ الارتباك في عينيها، هي لم تتوقع رداً، بل ضحية. ثم أكملتُ طريقي نحو « الكوشة »، لا لأهنئ العروس فقط، بل لأعلن وجودي. مررتُ بين النساء، وكتفاي مشدودان، وخطواتي ثابتة. لم أعد الشبح الذي يتوارى في الزوايا. لقد أصبحتُ أنا الحضور.

عندما وصلت إلى نوال، رأيت شيئاً خلف بريق الذهب والمساحيق. رأيت في عينيها، للحظة خاطفة، ظلاً من الخوف. الخوف من المستقبل المجهول، من مسؤولية إرضاء زوج وعائلة بأكملها، من عبء الحفاظ على هذا الجمال الذي كان تذكرتها للعبور. أدركتُ في تلك اللحظة أنها هي الأخرى سجينة، لكن في قفصٍ مذهب. جمالها لم يكن حماية، بل كان مسؤولية، وواجب، وقيد. هي لم تختر هذا الطريق بحرية أكثر مني، بل سارت فيه لأنه الوحيد الذي عُرض عليها. أمسكتُ بيدها المزينة بالحناء، وهمست لها: « كوني قوية »، وشعرتُ بتنهيدة خفيفة خرجت منها، تنهيدة فهمٍ مشترك تجاوز كل الكلمات.

النهاية الجديدة: رقصة الروح والتحرر

في تلك الليلة، لم أعد إلى مملكتي الصغيرة لأتأمل فلسفة الرفض، بل عدت لأحتفل بالحياة. فتحتُ نوافذي على مصراعيها، وسمحتُ لهواء الليل بأن يملأ الغرفة. لم أعد أرى العالم كميدان معركة بيني وبين الآخرين، بل كمسرحٍ كبير، لكلٍ منا دوره الذي يحاول أن يتقنه. بعضنا يؤدي دور الجميلة، وبعضنا دور المتمردة، وبعضنا دور الأم الحنون، لكننا جميعاً، في الكواليس، نخلع أقنعتنا ونبحث عن ذواتنا الحقيقية.

أدركتُ أن التحرر الحقيقي ليس في إدانة سجون الآخرين، بل في تزيين زنزانتك الخاصة حتى تصبح قصراً. ليس في رفض الموروث بالكامل، بل في سرقة النار منه لإنضاج خبزك الخاص.

أخرجتُ ألواني ولوحة الرسم، وبدأت أرسم. لم أرسم وجهاً حزيناً أو متمرداً، بل رسمتُ امرأة ترقص. امرأة من كل الألوان، شعرها غيمة، وعيناها نجمتان، وفمها هلالٌ يبتسم. كانت قدماها حافيتين، تلامسان الأرض، لكن رأسها يلامس السماء. لم تكن جميلة بمقاييسهم، ولم تكن قبيحة. كانت ببساطة… حية. كانت تجسيداً للروح التي لا يهزمها طين.

جسدي هذا، بطينه القاتم وأسنانه النافرة، لم يعد قضيتي. لقد أصبح مجرد أداة، كالفرشاة في يدي، أعزف به لحن وجودي. تعلمتُ أن أهتم به، لا لأرضي أحداً، بل لأن الروح العظيمة تستحق معبداً نظيفاً وقوياً. صرتُ أمارس الرياضة، ليس لنحت جسدٍ مرغوب، بل لأشعر بقوة عضلاتي وهي تحملني نحو أحلامي. صرتُ آكل طعاماً صحياً، لا لأحافظ على مقاس معين، بل لأغذي النار التي في داخلي.

لم أعد أبحث عن معنى في عيون الناس، بل صرتُ أجد المعنى في شروق الشمس، في رائحة القهوة صباحاً، في إنجاز عمل أحبه، في ضحكةٍ من القلب مع صديقة، في لحنٍ قديم يعيدني إلى طفولةٍ لم تكن كلها رماداً.

الحياة ليست قطاراً ننتظره ليمر، وليست معركة ننتصر فيها أو نهزم. الحياة رقصة. رقصة طويلة ومستمرة، أحياناً تكون بطيئة وحزينة، وأحياناً تكون سريعة ومبهجة. والمهم ليس شكل جسدك وأنت ترقص، بل أن تستمر في الرقص. أن تجد إيقاعك الخاص، وتتحرك معه، وتترك روحك تقود الخطوات.

أنا الآن أرقص. أرقص على إيقاع روحي، في عالمٍ صنعته بنفسي. عالمٌ لا يحتاج إلى مرايا، لأن كل ما فيه يعكس بهجة الحياة. جسدي من طين، نعم، لكن روحي من نارٍ ونجوم. وهذه هي حكايتي، ليست شهادة عن الألم، بل أغنية عن الرقص في قلب العاصفة.

Laisser un commentaire